صديق الحسيني القنوجي البخاري
42
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] وقال ابن عباس : هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيروا ولم يبدلوا وقيل هم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل بيته وقيل هم الأنبياء خاصة وقيل مطلق المؤمنين ، والأول أولى ، وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالسلف الصالح وهو غير التقليد . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بدل كل من كل أي غير صراط الذين غضبت عليهم وهم اليهود لقوله تعالى فيهم : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [ المائدة : 60 ] قال القرطبي الغضب في اللغة الشدة وفي صفة اللّه إرادة العقوبة فهو صفة ذاته أو نفس العقوبة ، ومنها حديث أن الصدقة لتطفىء غضب الرب « 1 » فهو صفة فعله ، وغضب اللّه لا يلحق عصاة المؤمنين ، وإنما يلحق الكافرين ، والعدول عن إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعم والخيرات إليه عز وجل دون أضدادها ، وفي عَلَيْهِمْ عشر لغات وكلها صواب ، قاله ابن الأنباري . وَلَا الضَّالِّينَ لا زائدة قاله الطبري والزمخشري وقيل هي تأكيد ، حكاه مكي والمهدوي وقيل بمعنى غير قاله الكوفيون والمحلي أي وغير الضالين عن الهدى ، وهم النصارى لقوله عز وجل : قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ [ المائدة : 77 ] الآية . وأصل الضلال الغيبوبة والهلاك ومنه ضل اللبن في الماء أي غاب وقال القرطبي هو في لسان العرب الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المغضوب عليهم هم اليهود ، وإن الضالين النصارى » « 2 » ورواه أبو الشيخ عن عبد اللّه شقيق مرفوعا ، وابن مردويه عن أبي ذر مثله ، وبه قال ربيع بن أنس ومجاهد وابن جبير ، وإنما سموا بها الاختصاص كل منهما بما غلب عليه ، وقيل أراد المغضوب عليهم بالبدعة ، والضالين عن السنة قاله القرطبي ، وقيل اللفظ يعم الكفار والعصاة والمبتدعة لقول اللّه تعالى : في القاتل عمدا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [ النساء : 93 ] وقال : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] وقال : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 104 ] وقيل غير ذلك . وأنت خبير بأن جعل الموصول عبارة عما ذكر من طائفة غير معينة مخل ببدلية ما أضيف إليه مما قبله ، فالمصير إلى التفسير النبوي متعين وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير من السلف ، قال ابن أبي حاتم لا أعلم خلافا بين المفسرين في هذا التفسير ، ويشهد له آيات من القرآن كما تقدم .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزكاة باب 28 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 1 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 4 / 378 .